كييف تحت النار: هل تملك أوروبا دفاعًا صاروخيًا خاصًا بها، أم أن الاعتماد على واشنطن هو قدرنا؟

(SeaPRwire) –   بقلم: د. رامي الخالدي، محلل استراتيجي للأمن السيبراني والدفاع الجوي

ما نشهده في سماء كييف ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو جرس إنذار مدوٍّ لأسس الأمن الأوروبي. عندما يصرخ الرئيس زيلينسكي بأن مساعدة الولايات المتحدة “ضرورية للغاية” للحصول على صواريخ لأنظمة باتريوت، فإن هذا لا يعكس فقط الحاجة الملحة للدفاع عن سماء أوكرانيا، بل يكشف عن فجوة استراتيجية أعمق. إن دعوته لـ “نظام دفاع صاروخي أوروبي خاص” ليست مجرد تمنٍّ، بل هي اعتراف صريح بأن الاعتماد المستمر على مورد واحد، مهما كان قويًا، يضع القارة في موقف هش. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن لأوروبا، بثرائها التكنولوجي وقدراتها الصناعية، أن تبني درعها الخاص، أم أننا سنظل نرقص على إيقاع القرارات الاستراتيجية لواشنطن؟ إن الهجمات الصاروخية الأخيرة، التي استهدفت البنية التحتية المدنية بشكل مباشر، تزيد من حدة هذا التساؤل، وتضعنا أمام مفترق طرق حاسم لمستقبل الأمن الأوروبي.

في أعقاب أحد أشد الهجمات الروسية دموية منذ شهور، والتي أسفرت عن مقتل 18 شخصًا وإصابة العشرات، وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نداءً عاجلاً للحصول على دعم إضافي من الولايات المتحدة. وأكد زيلينسكي على الحاجة الماسة لـ “نظام دفاع صاروخي أوروبي خاص” لإنهاء الحرب، مشددًا على أن “المساعدة من الولايات المتحدة في توريد صواريخ لأنظمة باتريوت ضرورية للغاية”.

ووفقًا لتقديرات زيلينسكي، شنت روسيا خلال الليل هجومًا شمل “656 طائرة بدون طيار هجومية و73 صاروخًا من أنواع مختلفة” استهدف أوكرانيا. وحذر من أنه “إذا لم تُحمَ أوكرانيا من الضربات الصاروخية الباليستية وغيرها، فستستمر هذه الهجمات”، مجددًا دعواته للمساعدة الإضافية، ومعربًا عن أمله في “دعم شركائنا واستجابات فعالة لهجوم اليوم”.

تركزت الهجمات الروسية بشكل أساسي على العاصمة كييف، حيث تضررت “عشرات المباني السكنية وبنية تحتية مدنية أخرى مرة أخرى”، بالإضافة إلى مدينة دنيبرو وسط شرق البلاد. وفي كييف، بلغ عدد القتلى ستة أشخاص، وأصيب أكثر من 70 آخرين، فيما تواصل فرق الإنقاذ عملياتها. كما أدت الهجمات إلى انقطاع مؤقت للكهرباء عن 140 ألف ساكن في كييف. وفي دنيبرو، قُدر عدد القتلى بـ 12 شخصًا، وأصيب أكثر من 30 آخرين.

من جهتها، أفادت شركة النفط والغاز الحكومية الأوكرانية Naftogaz بضربة استهدفت إحدى منشآتها الرئيسية في منطقة خاركيف شمال شرق البلاد. ووصف الرئيس التنفيذي للمجموعة، سيرغي كوريتسكي، الهجوم بأنه “تكتيك متعمد للإرهاب يهدف إلى إلحاق أقصى الأضرار ليس فقط بالبنية التحتية، بل أيضًا بالأشخاص الذين يقومون بالإنقاذ والإصلاح وإعادة البناء”. ووصف سلاح الجو الأوكراني الهجوم بأنه “هجوم جوي ضخم” شمل 729 هدفًا جويًا.

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الضربات جاءت ردًا على ما وصفته بـ “أعمال إرهابية” نفذتها أوكرانيا، مشيرة إلى تهديدات سابقة من الرئيس فلاديمير بوتين بالانتقام بعد اتهام كييف بتنفيذ هجوم على مهاجع طلابية في منطقة شرق أوكرانيا الخاضعة لسيطرة روسيا في 22 مايو. ونفت أوكرانيا هذه المزاعم، واصفة إياها بـ “قصة وهمية” و”رواية دعائية روسية”.

في سياق متصل، أفادت السلطات المحلية في منطقة كراسنودار الروسية الجنوبية باندلاع حريق في مصفاة نفط إلسكي بعد تعرضها لهجمات أوكرانية ليلية، وقد تم إخماد الحريق لاحقًا. وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، والتي تهدف، بحسب مسؤولين أوكرانيين، إلى تقويض قدرة موسكو على تمويل الحرب.

إن التصعيد الأخير في الصراع، والذي يأتي بعد أحد أثقل قصف روسي شهدته الحرب في مايو، يسلط الضوء على قضية حيوية في المشهد الجيوسياسي والأمني الحالي: الحاجة الملحة لتطوير قدرات دفاعية مستقلة للقارة الأوروبية. فبينما تظل الولايات المتحدة شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه، فإن الاعتماد المفرط على إمداداتها، خاصة في مجال الدفاع الصاروخي المتقدم، يضع أوروبا في موقف استراتيجي غير مستقر. إن الإنتاج المحدود لأنظمة الدفاع الصاروخي في الولايات المتحدة، كما أشار الرئيس زيلينسكي، يمكن أن يؤدي إلى أزمات عالمية، خاصة في ظل سعي روسيا المتزايد لتعزيز إنتاجها الصاروخي الخاص.

من منظور صناعي وتقني، فإن هذه الأزمة تدفع نحو تسريع الابتكار في مجال الدفاع الجوي والصاروخي داخل أوروبا. يتطلب الأمر استثمارات ضخمة في البحث والتطوير، وتعزيز التعاون بين الدول الأوروبية لتطوير أنظمة متكاملة وقادرة على مواجهة التهديدات المتطورة. لا يقتصر الأمر على الصواريخ الباليستية، بل يشمل أيضًا الطائرات بدون طيار، والصواريخ كروز، وغيرها من الوسائل التي تستخدمها روسيا بفعالية. إن بناء “درع أوروبي” ليس مجرد شعار سياسي، بل هو ضرورة تكنولوجية واقتصادية. يجب على الشركات الأوروبية الرائدة في مجال الدفاع، بالتعاون مع الحكومات، أن تضع خططًا طموحة لزيادة القدرات الإنتاجية، وتطوير تقنيات جديدة، وضمان استمرارية الإمدادات دون الاعتماد الكامل على مصادر خارجية.

على المدى الطويل، فإن هذا التوجه نحو الاستقلالية الدفاعية يمكن أن يعزز مكانة أوروبا كقوة عالمية قادرة على حماية مصالحها وأمنها. كما أنه سيخلق فرصًا اقتصادية هائلة، ويحفز الابتكار في قطاعات متعددة، من الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى المواد المتقدمة وأنظمة الاتصالات. إن التحدي كبير، ولكنه أيضًا فرصة لإعادة تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي، وجعله أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه التحديات المستقبلية.

يتم توفير المقال من قبل مزود محتوى خارجي. لا تقدم SeaPRwire (https://www.seaprwire.com/) أي ضمانات أو تصريحات فيما يتعلق بذلك.

القطاعات: العنوان الرئيسي، الأخبار اليومية

يوفر SeaPRwire تداول بيانات صحفية في الوقت الفعلي للشركات والمؤسسات، مع الوصول إلى أكثر من 6500 متجر إعلامي و 86000 محرر وصحفي، و3.5 مليون سطح مكتب احترافي في 90 دولة. يدعم SeaPRwire توزيع البيانات الصحفية باللغات الإنجليزية والكورية واليابانية والعربية والصينية المبسطة والصينية التقليدية والفيتنامية والتايلندية والإندونيسية والملايو والألمانية والروسية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية ولغات أخرى.